محمد الريشهري
2572
ميزان الحكمة
خلق العصيان في خلقه ، فكان يجب أن يقولوا : قضى في خلقه بالعصيان ، ولا يقولوا قضى عليهم ، لأن الخلق فيهم لا عليهم ، مع أن الله تعالى قد أكذب من زعم أنه خلق المعاصي بقوله سبحانه : * ( الذي أحسن كل شئ خلقه ) * ( 1 ) كما مر . ولا وجه لقولهم : قضى المعاصي على معنى أمر بها ، لأنه تعالى قد أكذب مدعي ذلك بقوله تعالى : * ( إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ) * ( 2 ) . ولا معنى لقول من زعم أنه قضى بالمعاصي على معنى أنه أعلم الخلق بها إذ كان الخلق لا يعلمون أنهم في المستقبل يطيعون أو يعصون ، ولا يحيطون علما بما يكون منهم في المستقبل على التفصيل . ولا وجه لقولهم : إنه قضى بالذنوب على معنى أنه حكم بها بين العباد ، لأن أحكام الله تعالى حق ، والمعاصي منهم ، ولا لذلك فائدة ، وهو لغو باتفاق ، فبطل قول من زعم أن الله تعالى يقضي بالمعاصي والقبائح . والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيناه أن لله تعالى في خلقه قضاء وقدرا ، وفي أفعالهم أيضا قضاء وقدرا معلوما ، ويكون المراد بذلك أنه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها ، وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها ، وفي أنفسهم بالخلق لها ، وفيما فعله فيهم بالإيجاد له ، والقدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقه وموضعه ، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب ، لأن ذلك كله واقع موقعه وموضوع في مكانه لم يقع عبثا ولم يصنع باطلا . فإذا فسر القضاء في أفعال الله تعالى والقدر بما شرحناه زالت الشبهة منه وثبت الحجة به ووضح القول فيه لذوي العقول ولم يلحقه فساد ولا اختلال . فأما الأخبار التي رواها - يعني الصدوق ( رحمه الله ) - في النهي عن الكلام في القضاء والقدر فهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون النهي خاصا بقوم كان كلامهم في ذلك يفسدهم ويضلهم عن الدين ولا يصلحهم إلا الإمساك عنه وترك الخوض فيه ، ولم يكن النهي عنه عاما لكافة المكلفين وقد يصلح بعض الناس بشئ يفسد به آخرون ، ويفسد بعضهم بشئ يصلح به آخرون ، فدبر الأئمة ( عليهم السلام ) أشياعهم في الدين بحسب ما علموه من مصالحهم فيه . والوجه الآخر : أن يكون النهي عن الكلام فيهما النهي عن الكلام فيما خلق الله تعالى وعن علله وأسبابه وعما أمر به وتعبد ، وعن القول في علل ذلك إذ كان طلب علل الخلق والأمر محظورا ، لأن الله تعالى سترها من أكثر خلقه ، ألا ترى أنه لا يجوز لأحد أن يطلب لخلقه جميع ما خلق عللا مفصلات ، فيقول : لم خلق كذا وكذا ؟ حتى يعد المخلوقات كلها ويحصيها ، ولا يجوز أن يقول : لم أمر بكذا وتعبد بكذا ونهى عن كذا ؟ إذ تعبده بذلك وأمره لما هو أعلم به من مصالح الخلق ، ولم يطلع أحدا من خلقه على تفصيل ما خلق وأمر به وتعبد ، وإن كان قد أعلم
--> ( 1 ) ألم السجدة : 7 . ( 2 ) الأعراف : 28 .